• القسم
    مقالات توعية وإرشاد
  • عنوان المقال
    - فخ الانبهار «انفتاح أم تنازل».
  • كتابة
    مطيع إبراهيم
  • مراجعة
    علي الأزرق

- فخ الانبهار «انفتاح أم تنازل».

Course Image

- فخ الانبهار«انفتاح أم تنازل».

لم تعد معركة الأمة الإسلامية اليوم معركة حدودٍ وجغرافيا بقدر ما أصبحت معركة مفاهيم ومصطلحات وفكر، فالأفكار التي تعبر الشاشات والكتب والمنصات كل يوم تحمل معها تصوراتٍ كاملة عن الإنسان والحياة والقيم والغاية من الوجود وفي خِضم التدفق الهائل هذا، برز مصطلح «الانفتاح» بوصفهِ أحد أكثر المصطلحات تداولًا وأشدها التباسًا؛ إذ أصبح يُرفع شعارًا لتبرير مواقف متناقضة؛ فتارةً يُستعمل للدعوة إلى التفاعل الحضاري والتبادل المعرفي، وتارةً يُستعمل كغطاءٍ للتخلي عن الثوابت الشرعية والأخلاقية.

ومن هنا تنشأ الحاجة إلى إعادة تحرير المفهوم والتمييز بين الانفتاح بوصفهِ قوة حضارية تَخدم نهضة الأمة، والتنازل بوصفه اِنحدارًا فكريًا.

إن الإسلام منذ اللحظة الأولى لم يكن مشروع عزلةٍ واِنغلاق، فالوحي الذي نزل في مكة لم يصنع إنسانًا منطويًا على ذاته، بل صنع قائد أمة يحمل رسالةً للعالمين، ولذلك كان القرآن يخاطب البشرية كلها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قبل أن يخاطب المؤمنين، وكان النبي ﷺ يتواصل مع الأمم المختلفة ويراسل الملوك ويستقبل الوُفُود، ويتعامل مع غير المسلمين في التجارة والسياسة والاجتماع. لم تعرف الحضارة الإسلامية عقدة الخوف من الآخر؛ لأنها كانت تمتلك يقينًا عقديًا يمنحها الثقة بنفسها، ويجعلها قادرة على الأخذ والعطاء دون أن تفقد هويتها.

ولهذا لم يكن المسلمون الأوائل يرون بأسًا في الاستفادة من خبرات الأمم الأخرى، فقد أخذوا من الفرس بعض النُظم الإدارية، واستفادوا من علوم اليونان بعد تنقيحها ونقدها وطمس ما يُنافي العقيدة منها، وطوروا المعارف الطبية والفلكية والرياضية حتى أصبحت الحضارة الإسلامية مركز العالم العلمي لقرون طويلة؛ لكن الفارق الجوهري أن المسلم كان يأخذ وهو واقف على أرضه، لا وهو ساجد على أعتاب غيره. كان يزن الأفكار بميزان الشريعة، لا أن يزن الشريعة بميزان الأفكار الوافدة إليه..

ومن هنا يتبين أن الانفتاح الحقيقي بمعناه الإيجابي لا يبدأ من الإعجاب بالآخر، بل يبدأ من معرفة الذات ووضع ضوابط الأخذ والعطاء من ناحية الأفكار والعلوم وغيرها.

فالإنسان الذي يجهل هويته لا ينفتح على الآخرين، وإنما يذوب فيهم، والذي لا يملك معيارًا ثابتًا للحق والباطل لن يستطيع التمييز بين ما ينبغي أخذه وما ينبغي تركه؛ ولهذا كان أعظم ما حفظ للأمة توازنها عبر التاريخ هو رسوخ المرجعية الشرعية التي كانت تمثل البوصلة الفكرية والحضارية في مواجهة تلك المتغيرات الوافدة.

لقد أخبرنا الله تعالى في القرآن الكريم هذه الحقيقة مبكرًا، فحذر من الانسياق خلف الضغوط الحضارية التي تسعى إلى تمييع الثوابت والقيم، فقال سبحانه: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}، وليس المقصود بالآية الدعوة إلى القطيعة مع الآخرين وعدم أخذ المفيد منهم، وإنما التنبيه إلى أن الرضا الحضاري الكامل لا يتحقق بالتقارب وحده، بل قد يتحول إلى مطالبةٍ بالتنازل المستمر حتى يفقد الإنسان خصوصيته الفكرية والعقدية.. وهنا تظهر الإشكالية الكبرى في واقعنا المعاصر؛ إذ لم يعد التنازل يُقدَّم بوصفه تنازلاً.. بل يُسوَّق على أنه تطور وتحضر وانفتاح.. فأصبحت بعض الثوابت الشرعية تُصوَّر على أنها عوائق أمام التقدم، وأصبحت بعض الأحكام القطعية تُعامل باعتبارها مجرد آراء تاريخية قابلة للإلغاء، بل تجاوز الأمر ذلك إلى إعادة تعريف الخير والشر والجمال والقبح وفق المرجعيات الغربية الحديثة لا وفق الوحي الإلهي.
واتذكر في أحدى المرات أنني قرأت لمالك بن نبي وقد نبّه إلى أن أخطر أنواع الاستعمار ليس احتلال الأرض، بل احتلال العقل؛ لأن الأمة التي تُهزم فكريًا تقوم بنفسها بتنفيذ ما كان المحتل يحتاج إلى القوة لفرضه.. ولذلك صاغ مفهوم "القابلية للاستعمار" ليشرح كيف تتحول الهزيمة النفسية إلى بوابة للتبعية الحضارية.. فالمشكلة ليست في وجود حضارة قوية خارجية، بل في وجود نفسية ضعيفة داخلية تنظر إلى نفسها باعتبارها أقل شأنًا من الآخرين..

وقد تكلم في ذلك الدكتور إبراهيم السكران تحت وصف:
"ثقافة السلطة الغالبة"،
ولعل أخطر مظاهر التنازل في عصرنا أنه لم يعد يقتصر على تقليد المظاهر والسلوكيات، بل امتد إلى مستوى التصورات الكلية. فبدل أن يُسأل: ما موقف الإسلام من هذه الفكرة؟ أصبح السؤال عند بعض الناس: ما موقف الغرب منها؟ وبدل أن تكون النصوص الشرعية هي المرجع الحاكم، أصبحت المرجعية الحقوقية أو الثقافية الغربية هي الحَكَم الذي تُعرض عليه النصوص ذاتها. وهنا لا يكون الإنسان قد انفتح على الآخر، بل يكون قد استبدل مرجعيته بمرجعية أخرى.

إن الانفتاح الذي تحتاجه الأمة اليوم هو انفتاح الواثق لا انفتاح المبهور، وانفتاح الناقد لا انفتاح المقلد؛ انفتاح يستفيد من العلوم والتقنيات والخبرات الإنسانية كافة، لكنه يحتفظ بحقه في النقد والتمحيص والاختيار.. فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها لكنه لا يتخلى مقابلها عن عقيدته ولا يُساوم على قيّمه..
ولا تنسى يا عزيزي القارئ، أن الأمة الإسلامية كانت في يومًا ما في أوج قوتها، وأكثر الأمم انفتاحًا على المعرفة -ولا زالت- ، لكنها كانت في الوقت نفسه أشد الأمم تمسكًا بهويتها.. أما حين ضَعفت ثقتها بذاتها، بدأت تستورد الأفكار كما تستورد البضائع، دون فحص أو مراجعة أو نقد؛ فهنا تحوّل الانفتاح من وسيلة للنهوض إلى أداة للذوبان والانحلال الثقافي والفكري والمجتمعي.

لذلك؛ فإن الفارق بين الانفتاح والتنازل ليس فارقًا في الدرجة، بل فارق في الجوهر.. فالانفتاح حركة من موقع القوة، أما التنازل فهو حركة من موقع الضعف، والانفتاح اختيار واعٍ، أما التنازل فاستجابة لضغط نفسي أو حضاري.. الانفتاح يبني الهوية ويثريها، أما التنازل فيقوضها من الداخل حتى تصبح الأمة نسخة باهتة من غيرها..

ولهذا؛ فإن المعركة الفكرية الحقيقية ليست معركة قبول الآخر أو رفضه، وإنما معركة الحفاظ على المرجعية الدينية والعقدية التي نُقيِّم بها أنفسنا والعالم من حولنا.. فالأمة التي تعرف من هي، ولماذا وُجدت، وما الرسالة التي تحملها، تستطيع أن تتفاعل مع العالم كله دون أن تفقد نفسها، أما الأمة التي تفقد يقينها بذاتها، فإنها قد تمتلك كل وسائل التواصل مع العالم، لكنها تفقد في الطريق هويتها ورسالتها ووجودها الحضاري.

ويؤكد الدكتور إبراهيم السكران في أكثر من موضع أن أخطر ما يصيب الأمم ليس مجرد الغزو الخارجي، بل فقدان المناعة الداخلية التي تجعل الإنسان يتلقى الأفكار الوافدة دون فحص أو نقد، فحين تضعف المرجعية الشرعية في النفوس تصبح الثقافة الغالبة قادرة على إعادة تشكيل الأولويات والقيم والتصورات حتى دون استعمال أدوات القهر المباشر.. ولهذا كان يلفت النظر إلى أن كثيرًا من صور الانهزام الحضاري تبدأ بإعجاب غير منضبط ينتهي إلى تقليد، ثم يتحول التقليد مع الزمن إلى قناعة راسخة يصعب التحرر منها؛ عندها لا يعود الإنسان يقيس الأفكار بميزان الوحي، بل يقيس الوحي نفسه بالمعايير الوافدة إليه..

ومن هنا فإن الأزمة ليست أزمة اطلاع على الثقافات الأخرى، وإنما أزمة اضطراب في مركز التلقي ومرجعية الحكم، فالمعرفة الإنسانية الواسعة يمكن أن تكون مصدر إثراءٍ ونهوض، لكن الخلل يبدأ عندما تنتقل الأمة من موقع الناقد الممحص إلى موقع المتلقي المنبهر؛ لذلك فإن أعظم صور التحرر الفكري ليست في رفض كل جديد، وإنما في امتلاك القدرة على التمييز بين ما يوافق الأصول والثوابت وما يناقضها.

وقد أشار الشيخ عبد العزيز الطريفي في عدد من كتاباته ومحاضراته إلى أن الانحرافات الكبرى لا تبدأ غالبًا بهدم الأصول مباشرة، وإنما تبدأ بتخفيف الحساسية تجاه المخالفة شيئًا فشيئًا حتى تألفها النفوس وتعتادها المجتمعات، فالتغيير الجذري للأفكار والقيم يمر غالبًا بمراحل متدرجة يكون أولها تبرير المخالفة، ثم التهوين من شأنها، ثم جعلها خيارًا مقبولًا ثم تحويلها إلى معيار يُحاكم الناس إليه..
وهنا تنتقل المجتمعات من الدفاع عن ثوابتها إلى الدفاع عن أسباب التخلي عنها.

كما أن من أخطر آثار التبعية الفكرية أن يفقد الإنسان ثقته بالمصادر التي شكّلت هويته عبر القرون، فيصبح أكثر استعدادًا لتلقي الأحكام والتصورات من الخارج مهما كانت متعارضة مع مرجعيته الأصلية، وعندما تضعف الثقة بالوحي والعلم الشرعي والتاريخ الحضاري للأمة، يصبح الفراغ الناتج مهيأً لأن تملأه أي منظومة فكرية أخرى تفرض نفسها بقوة الإعلام أو النفوذ أو الهيمنة الثقافية.


ولذلك فإن المحافظة على الهوية لا تعني الانغلاق، كما أن الانفتاح لا يعني الذوبان، وإنما تعني بناء شخصية تمتلك من الثقة والبصيرة ما يجعلها قادرة على التفاعل مع العالم وهي متمسكة بأصولها، فالأمم القوية لا تخشى التواصل مع غيرها لأنها تعرف ما الذي تريد الحفاظ عليه، أما الأمم المهزومة نفسيًا فإنها كثيرًا ما تدخل إلى جسور التواصل الحضاري باحثة عن المعرفة، ثم تخرج منها وقد فقدت جزءًا من ذاتها ورسالتها.

_____________________

المراجع:

- القرآن الكريم.
- شروط النهضة - مالك بن نبي.
- مشكلة الثقافة - مالك بن نبي.
- الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية - محمد المبارك.
- ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين- أبو الحسن الندوي.
- الهوية والقيم- مقرر البناء الفكري.
- مقررات البناء الفكري والبناء المنهجي في باب الهوية والمرجعية والتدافع الحضاري.
- سلطة الثقافة الغالبة - إبراهيم السكران.
- مآلات الخطاب المدني - إبراهيم السكران.
- الطريق إلى القرآن - إبراهيم السكران.
- التأويل الحداثي للتراث - إبراهيم السكران.
- العصف الذهني - عبد العزيز الطريفي.
- صفة صلاة النبي ﷺ - عبد العزيز الطريفي
- الحجاب في الشرع والفطرة بين الدليل والقول الدخيل - عبد العزيز الطريفي.