• القسم
    مقالات توعية وإرشاد
  • عنوان المقال
    اليقين وسط الحيرة ﴿وَلَولا أَن ثَبَّتناكَ﴾.
  • كتابة
    فضل أحمد
  • مراجعة
    علي الأزرق

اليقين وسط الحيرة ﴿وَلَولا أَن ثَبَّتناكَ﴾.

Course Image

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي اصطفى عباده وثبّتهم عند الشدائد، الذي أجزل في عطاياه لعباده الموقنين بكرمه، وما منع عن القانطين برحمته، أما بعد:
​ففي مجتمعٍ وزمانٍ حالت عليهما السنون والظروف، وتحوَّل في اعتماده وتركيزه من ركيزةٍ إلى عدة ركائز، وليست هذه الركائز هي التي تقوِّمه وتقوِّيه، بل هي تلك التي تزرع في مكوِّناته القلق واحتمالية السقوط بين الفينة والأخرى.


​إن مجتمع اليوم وزماننا هذا لم يعد يعتمد على ركيزة اليقين والإيمان الراسخ بالله تعالى والوحي الإلهي، بل آلت كثرة المصادر والمراجع والمشتتات إلى حيرةٍ في قلب العبد تتبعه في كل أمر؛ عندما صَرَفَ النظر عما دون الله وكتابه، حين وجد المشتتات وكثرة المصادر والمراجع التي قد تحتمل الصواب وقد تخالفه، ومنهم من التفت إليها بنظرة المستفهم لا الباحث فيها، ومنهم من ذهب إليها بعين المؤمن بما فيها. إن كل ذلك زرع في قلب العبد حيرةً في أمرِ اليقين بالله والتوكل عليه، حينما زلَّت وقصدت عينُه بعض الأحيان مصادر غير التي أمرنا بها المولى عز وجل.


​فكم مرة كنتَ مع الله وكم مرة كان الله معك؟
​ومع ذلك، يسير الإنسان على دروب الحياة كالمبهم، كمن فَقَدَ بوصلةً وفَقَدَ خريطةً، يمشي إلى نفس الهدف ومن نفس الطريق، ولكن هذه المرة يمشي تائهًا بدون توكلٍ على الله، عمل كل شيء إلا التوكل؛ فلِماذا لا يَّكِلُه لله؟ لماذا يثق الإنسان في كلمة مَن هو أعلى منه ومَن هو في السلطة يقع فوقه وفي المنصب والخبرة، يثق فيهم ثقة كاملة ولا يثق برب هؤلاء؟! لماذا يطمئن بكلمة: "أمرك محسوم" أو "موضوعك عندي" أو "فلان أو علان لن يتركك"؟! لماذا يرضى الإنسان ويسلم الأمر سواءً كانت له واسطة أو سبب دنيوي؟! أَنَسِيَ الإنسان أن رب هؤلاء جميعًا هو الله، وأن مدبر شؤونهم هو الله، وأن موجد الأسباب التي يؤمن بها هو الله؟!
​فكيف نحافظ على يقيننا بالله وسط هذه الحيرة؟
​كيف نثبت في ظل كل تلك المغريات وتلك المصادر؟ كيف نثبت بعد أن زاد المشككون بالوحي الإلهي وتعددت المراجع؟
​وفي زمنٍ لا يدري فيه المسلم هل ما يمر به هو خيرٌ أم شر، وفيه صوتان: صوتٌ يقول: هذا عذاب، والآخر يقول: هذا تطهيرٌ من الله؛ فكيف ينجو من تعلَّق قلبه بالأسباب؟!

​إن الحفاظ على اليقين متعلقٌ بإيمان العبد، ولا يحافظ العبد على إيمانه إذا ابتعد عن الله. ومن أكثر ما يقوي إيمان ويقين العبد هو أن تؤمن بأن كل ما يجري في حياتك هو خيرٌ لك، وليس هناك ما يمكن تسميته "لعله خير"، بل الأمر كله خيرٌ من أول الأمر وحتى يتمه الله، يقول خير البشر محمد ﷺ عليه أتم الصلاة والتسليم: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير»، واعلم أن اليقين هو تمام حسن الظن بالله، وهو يقودك إلى التوكل عليه رغم أقاويل المنطق، ولكنك تؤمن بما عند الله لا بما عند المنطق والواقع.

​ولكي يزداد يقينك وإيمانك، فاقرأ وتدبر حياة الصالحين قبلك كيف كان إيمانهم متعلقًا بالله رغم كل المصائب. وأنت الذي إذا أصابتك جائحةٌ شككت بأمر الله، فتدبر قصص الأنبياء؛ فذاك إبراهيم على منجنيق النار يُجهَّز، ويحدثه جبريل: "يا إبراهيم ألك حاجة؟" فرد إبراهيم: "أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى" أو "علمُه بحالي يغني عن سؤالي".
​وقد يعتريك الشك الذي يخالط اليقين، فتدبر قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِن أَنباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]؛ أي أن قصص السابقين تثبت قلبك، حينما تعرف وتعي كيف أنقذ الله إبراهيم من النار، ويونس من الحوت، وموسى من البحر.. بعد كل ذلك أيدركك الغرق وأنت مؤمنٌ بالله مُتكِلٌ عليه مُوقنٌ بكرمه ولطفه؟! واعلم أن تمام الإيمان لا يكون إلا كما جاء في الأثر: «لا يكتمل إيمان العبد حتى يكون ما في يد الله أوثق مما في يده».
​ومن الأشياء التي تقوي يقين العبد بالله هو التدبر في أسمائه وصفاته، حينما تعرف أنه رزاق فالرزق منه لا من أسباب الأرض، وحين توقن أنه رحيم فذلك لأنه أرحم بك من أن يَكِلك إلى نفسك طرفة عين، ولو أراد لك الهلاك لأوكل أمرك إلى نفسك فهي كفيلة بأن تهلكك، لكنه الله!

​فما لنا ألا نتوكل على الله؟!
​متى يعقل الإنسان ويطمئن وتستقر جوارحه؟ عندما يؤمن أن العطاء من الله وليس من رئيسه. متى سيعود الإنسان متكلًا على خالقه الذي لا يضيعه؟ يعطيه ما سأل وما لم يسأل، يعطيه حاجته وليس ما يريد فقط، يبهره بالنتائج رغم انعدام الأسباب؛ لأنه الله! كم سيظل الإنسان يعلق آماله بوهمٍ وأشياء مؤقته قد ينالها وقد لا ينالها؟! وشتان بين أن يسلم الأمر لفلان أو يسلمه لله، فالله دومًا ما غفل عنك، وإن منع عنك فقد أعطى، ولتعلم أن ليس كل عطاءٍ عطاءً، ففي بعضه مصائب.
​نحتاج لأن نراجع هذه النفس قليلًا ونسوقها إلى الله لتنقاد إليه، نسيرها لتطوع إليه. ليس بوسع الإنسان أن يغير القدر، ولكن بوسعه ومقدوره أن يغير مَن يوكل أمره إليه وحسبه في كل مرة.

​إن هذا أمرٌ جلل حين يقلقك يقينك بالله وتلفتك كثرة المغريات والملهيات، وليس هذا أمرًا يملكه الإنسان بل هي إرادة الله حين تريدك أن تكون هنا أو هناك، وعلى سبيل الاستشهاد بكتاب الله الذي زلَّ منه يقين البعض؛ يخبر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ: ﴿وَلَولا أَن ثَبَّتناكَ لَقَد كِدتَ تَركَنُ إِلَيهِم شَيئًا قَليلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]، فذاك النبي الأمين محمد، عليه أتم الصلاة والتسليم، يخبره الله لولا أن ثبتناك يا محمد لكنت التفتَّ وركنت إلى أسباب الأرض لا إلى رب السماء، وهذا بحد ذاته دليل على أن الثبات هو توفيقٌ من الله.


​ولا نترك الأمر وننتظر الله أن يوفقنا في الثبات ونحن الذين نغوص ونغور في هذه المشتتات، بل إننا من الواجب ألا نلتفت إليها، وإن التفتنا فهو بعين الناقد الساعي إلى دحضها، لا الساعي إلى تصديقها!