• القسم
    مقالات توعية وإرشاد
  • عنوان المقال
    الجهد الخفي
  • كتابة
    أسامة البركاني
  • مراجعة
    علي الأزرق

الجهد الخفي

Course Image

«الجهد الخفيّ».

بسم الله الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم.
بسم الله الذي إليه المنتهى واليه المآل!

منذ فترة وأنا اتساءل عن أمر قد يبدو بديهيًا للغاية في نظر البعض، ولهذا لا يبحث عن مكنونهِ إلا قلةٌ قليلة، ولا يصل إلى النتيجة إلا من أمعن التأمل في الحقيقة، واستطاع ربط الأمور ببعضها حتى تتضح أمامه الصورة كاملة.

أُدرك أن البعض سيقول هذا مجرد توفيق إلهي ورزقٌ كُتب للمرء مذ وهو نطفة في رَحمِ أمه، وقبل هذا قبل خلق السماواتِ والأرض بخمسين ألف سنة.

إن كان للمسلم فهو اختبار وسيرى النتيجة بعد موته؛ إن خيرًا فخيرا، وإن شرًا فلا يلومن إلا نفسه.
وأما الكافر فهو إمهال، وجزاء له على إحسانه إن كان محسن. فالكافر جنته دنياه، وأما آخرته فقد اختار لنفسه معالم المسير ومنتهى الطريق ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلعَبيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].


وفي هذا الأمر سر النجاح...!

لماذا ثمّة أُناس ناجحون -غالبًا ماتكون بأيديهم زمام معالي الأمور-؟
وهناك أُناس ليسو كذلك؟!

وأما المقدمة التي ذُكرت آنفًا ما هي إلا باب ومدخل للتفريق بين ما سوف يُأُول إليه كِلا الصنفيين.

بعد مطالعةٍ لا بأس بها لأحوال أُناس يُعدون أيقونة وأنموذجًا في عالم النجاح والتأثير، -سواء على الصعيد الديني من العلماء الأكبر سلفًا و خلفًا أو على الصعيد الدنيوي من العلماء في شتى المجالات أو حتى المؤثرين ومن لهم باع في صناعة المحتوى الهادف-..

أردت أن أضع بين أيديكم عصارة وخلاصة السؤال الذي لطالما أرقني في مقالٍ علّنا نرسم به معالم إجابة شافية كافية.

سيتكون هذا المقال من ثلاثة عوامل أساسية مشتركة ومرتبطة ببعضها البعض، يتخللها بعض الأمثلة والنماذج التي ألهمتني.

لذا، أردت أن أسلط الضوء عليها..
وسأحرص أن يكون المقال مختصر بقدر المستطاع.

أقول وبالله التوفيق:

لعل العامل المشترك الأول بين جميع الشخصيات الناجحة والملهمة والتي بلغت الآفاق هو:

«ملئ الفراغ بما يعود عليهم بالنفع»، -خاصة- ذلكم الفراغ الذي يكون في الخفاء.
إن الفراغ أحد أهم أسباب -إن لم يكن الأهم- في بناء شخصية المرء سواءً كان ذلك البناء بناء إيجابي يُفضي إلى نجاحات ملموسة على أرض الواقع أو بناء سلبي لا يلبث أن يُردي بصاحبه في غيابة جبِ الضياع والتخبط والشعور بالدونية وانعدام الرغبة والمقصد والغاية.

إن الفراغ هو قطعة من الوقت، والوقت هو: حقبة من الزمن، والزمن هو العمر، فإذا قضى المرء عمره بالتخبط بين الفراغات الممتلئة بسفاسف الأمور، كاد أن يذهب عمره هباءً منثورًا، فيستفيق بعد انقضاء الأمد والمدة ولكن هيهات هيهات..

فأغلب من كان لهم قدم سبقٍ في نجاحٍ ما، فطنوا لهذه المعادلة والإشكال البسيط؛ فملأُوا أقات الفراغ بالجد والاجتهاد والعمل الدؤوب.

أيضًا هناك منحىً آخر فطنوا له باكرا قد يكون له اتصال كبير بالعامل الأول، ألا وهو مضاعفة ذلك العمل الدؤوب في أوقات الخفاء.

ذلكم الوقت الذي لا يوجد فيه أحد ليصفق على إنجاز قمت به، على فكرة طبقتها على أرض الواقع، على مشكلة طال أمدها قمت بحلها، على مهام متراكمة قمت بإنجازها، وعلى مهارة جديدة اكتسبتها.

في حقيقة الأمر، هذا الوقت هو من يصنعك هو من يصقل مهاراتك، هو من يجعلك مختلفًا عن غيرك، هو من يجعل منك إنسانًا ناجحًا أم إنسانًا غير ذلك، هذا الوقت هو الفيصل بين من تراه يتقدم في يومه عن أمسه، وبين من تجمد به الزمن في قوقعة مستواه القديم، وكأن الوقت قد توقف عنده عند نقطة معينة.. ولا حجة لي أو لك لأن لكلٍ منا من هذا الوقت نصيب -سواءً أكثر أم أقل-؛ لكن السؤال ليس هنا!

السؤال بماذا تقضي هذا الوقت؟

أغلبنا يحب أن يقضي مهامه في أي وقتٍ كان، إلا أن يقضيها في وقت تواريه واختفائه عن الناس -مع أن هذا الوقت هو الوقت الذي يصنعك عن غيرك وهو أس إنجازك وأساسه- فإذا خلى بنفسه "تشتت"، "اسهب"، "أسرف"، في استخدام وسائل التواصل الإجتماعي أو "الإسراف" في الجلوس على الأريكة ومتابعة ديزني ونتفلكس.

فقد ضللت الطريق يا صاح إن ظننت أن هذا هو طريق النجاح!

انتشرت قبل فترة صور لمؤسس برنامج فيسبوك مارك زوكربيرغ وهو مع ابنه الصغير وهما بعيدين عن الهاتف والفيسبوك، فقيل أن من يُلقمك السم والعلقم ليلًا ونهارًا في منأء عن ذلك.

ويقول مالك تطبيق تيليجرام بافيل دوروف: أنه لا يستخدم الهاتف الذكي إلا في حالة اختبار تحديثات التيليجرام فقط، وإلا فإنه لا
يستخدم هاتفًا ذكيًا!

بينما فئامٌ من الذين أرادوا لأنفسهم النجاح أخذوا مسارًا آخر في صناعة الذات وتطوير النفس والارتقاء بالمستوى الأدائي، فأعملوا الأوقات ذاتها بما نراه تطور ملحوظ في أدائهم في العلن؛ فنستغرب ونتساءل: أليس أولئك الناجحين والمؤثرين والكُّتاب لهم ما لنا من الوقت؟!

نعم لهم من الوقت ما لنا!
ولكن استخدامهم له ليس كاستخدامنا.. وهنا يكمن الإشكال الذي قد لا يُتفطن له.

أعلم أن الإنسان بطبيعته يحب أن يظهر، يحب أن يمدحه الناس على إنجازاته، مبادراته، علم وجاه، مال جناه، لكن ما يراه الناس ليس إنجازات؛ إنما يرون النتيجة النهائية للإنجازات الخفية التي كنت تحققها في وقتٍ لم يكونوا حولك.

فإذا أحببت أن تظهر إنجازاتك بأبهى حُلة فأعمل هذا الوقت بما يعود عليك بما تحب.

دعني أسوق لك بعض النماذج التي استقيت منهم هذه الفكرة، وأبدأ بقصة من أعاد فتح باب الإجتهاد في عصره، ألا وهو الإمام أبو العباس ابن تيمية
-رحمه الله- قيل: إن أباه وأخاه وأهله سألوه أن يذهب معهم يوم سبتٍ ليتفرَّج، فهرب منهم، فلما عادوا آخر النهار لاموه على تخلُّفه وتركه لاتباعهم وانفراده، فقال: أنتم ما تزيَّد لكم شيئًا ولا تجدد، وأنا حفظت في غيبتكم هذا المجلد، وكان ذلك كتاب «جنة الناظر وجنّة المناظر».
وروى ابن تيمية -رحمه الله- في رسالته -الأجوبة المصرية- عن أبي الفرج ابن الجوزي أنه أحصى له ألف مصنف وروى بعد ذلك مالم يذكره في حصره -أي رأى أكثر من ألف مصنف-.

وعن ناصر الدين الألباني أن ابن باز -رحمهما الله- قال عنه ليس هناك تحت أديم السماء في هذا العصر من هو أعلم بالحديث من الألباني.

أما عبد الوهاب المسيري -رحمه الله- فقد استغرق انتاج موسوعته- اليهود واليهودية والصهيونية- ٢٥ عام، فكان يكتب فيها من بداية الصباح حتى منتصف الليل.

وإن أردت نماذج لمن هم في زمننا هذا فخذ مثالًا: د. راغب السرجاني -وقد ذكرت شيء من سيرته في مقال الفراغات البينية- لم يكن له إلا كتاب: ماذا قدّم المسلمون للعالم بجانب أخذه درجة الدكتوراة في جراحة المسالك البولية لكفى.

د. عبدالله العجيري، من استمع لمحاضراته و سعة اطلاعه، وبلاغته في الكلام يدرك أن ما ناله من العلم لم يكن بالتمني.
ولك مثال أيضًا من عالم الشباب فداء الدين يحيى، رغم صغر سِنهِ إلا أنه أحدث أثر لايطرأ على تفكير من قد يندب حظه وقت فراغه.

ولعل آية واحدة من كلام الله -تعالى- تختصر المطولات والمجلدات في هذا الباب في قوله: ﴿فَإِذا فَرَغتَ فَانصَب﴾ [الشرح: ٧].

لعل العامل المشترك الثاني بين الشخصيات الناجحة هو: «لانضباط»:
نعم الانضباط: "السهل الممتنع".

لعل أفضل ما يطرح في باب الانضباط هو: ذكر شذرات بسيطة من ترجمة عالم جليل لم يبلغ ما بلغه من العلم إلا وكان للانضباط في رحلته الحظ الأكبر والنصيب الأسمى من الجهد.
يذكر الشيخ إبراهيم السكران -فك الله بالعز أسره- في كتابه الماجريات -ولا أدري كيف لشخص يعيش في جيل الألفية بين كل هذا الشتات الشبكي وتراكمات الأحداث التي تشيب لها الولدان ولم يقرأ هذا الكتاب بعد- على كل حال.. ذكر الشيخ في كتابه جوانب عدة من حياة الشيخ البشير الإبراهيمي -رحمه الله- وفيها وايم الله عجب العجاب؛ لكن ما استوقفني حقًا في ترجمة هذا الشيخ الجليل صبره، جلده، وانضباطه منقطع النظير في تحصيل العلم مذ صغره والمكوث في المكتبة للقراءة والمطالعة والحفظ.

وكان له برنامج علمي مكثف، رسمه له عمه وعمره سبع سنين يقول الشيخ -رحمه الله-: ​«فلما بلغت سبع سنين، استلمني عمي من معلمي القرآن، وتولى تربيتي وتعليمي بنفسه، فكنت لا أفارقه لحظةً حتى في ساعات النوم، فكان هو الذي يأمرني بالنوم، وهو الذي يوقظني منه، على نظام مضطرد في النوم والأكل والدراسة، وكان لا يخليني من تلقين حتى حين أخرج معه وأماشيه للفسحة.
​وكان -عمي- يُقرئني مع جماعة الطلاب المنقطعين عنده لطلب العلم على العادة الجارية في وطننا إذ ذاك، ويُقرئني وحدي، ويُقرئني وأنا أماشيه في المزارع، ويقرئني على ضوء الشمع، وعلى قنديل الزيت، وفي الظلمة، حتى يغلبني النوم».

​(مات عمي سنة ١٩٠٣م، ولي من العمر أربع عشرة سنة، ولقد ختمت عليه دراسة بعض الكتب وهو على فراش المرض الذي مات فيه، وأمرني بأن أخلفه في التدريس لزملائي الطلبة الذين كان حريصاً على نفعهم).

هذه هي المحطة الاولى في رحلة الانضباط والاستمرارية مذ كان عمره ٧ سنوات إلى أن بلغ الـ ١٤.

هل توقفت الرحلة هنا؟!
في أوائل العشرينات اتجه إلى المدينة المنورة حيث كان أبوه يقول -رحمه الله-:
​(ثم ألقيت الرحال بالمدينة حيث استقر والدي، وعكفت على القراءة والإقراء..، وكنت أغشى ثلاث مكتبات جامعة غنية بعشرات آلآف من المخطوطات النادرة: مكتبة شيخ الإسلام، ومكتبة السلطان محمود، ومكتبة شيخنا الشيخ الوزير التونسي، مع مكتبات أخرى شخصية، فبلغت منها غايتي حفظًا واطلاعًا مدة خمس سنوات وشهور).

ما أرمي له باقتباسي هذا هو أن كل الناجحين في هذه الحياة وأعي جيدًا ما اقصد بقولي "كل" علموا سر الانضباط الحقيقي ولا عجب!!

فتراهم لم يضعوا وقتهم، إنجازاتهم، تحقيق آمالهم وأحلامهم لتقلبات مشاعرهم.
يعملون بانضباط تام بعيدًا عن ما يمليه عليهم يومهم من تقلبات أو تحورات مزاجية.

صحيح أن وتيرة الإنجاز قد تقل ولكنهم لم يتوقفوا..
صحيح قد يشعرون بالملل والوحدة، لكنهم لم ييأسوا ويستسلموا للواقع رغم المثبطات.

بالمناسبة: هناك دراسات تتحدث على أنه إذا وصل المرء للمرحلة الحرجة في الملل فإنها قد تكون اللحظة للانتاج والابتكار.

العامل المشترك الثالث ولعله الأخير كي لا أُطيل عليكم هو: «الاستمرارية»:
وعادةً ما تأتي الاستمرارية مقترنة بالانضباط، فإذا انضبط المرء في عملٍ ما لا يكاد يبرح الاستمرارية، وقيل أن من استمر في التقدم ولو 1% كل يوم في شأنٍ ما، اتقن فنون لم يتقنها أقرانه ومن لهم قدم السبق بالموهبة.

فالاستمرارية تغلب الموهبة الخاملة الكسولة.
وعلل نفسك خلال انضباطك واستمراريتك في رحلة الإنجاز أنك لست مضطرًا لأن تبلغ الـ 100% في أي لغة تحب تعلمها أو أي فن تريده، أو أي انجاز تبتغيه ولا حتى الـ 80% أو الـ 60% أو الـ 40%.

إنما لكي يسهل أمر الانضباط والاستمرارية اتبع قاعدة الـ (20-80)، أي أنه إذا اتقنت 20% من أي شيء تريده سوف يعود عليك بـ 80% من الفهم في هذا الأمر أو الفن بشرط أن تكون هذه الـ 20% هي الأكثر استخدامًا وشيوعًا.. لأن الدماغ بطبيعته يريد أن يُبقيك خارج دائرة الانضباط والاستمرارية "العناء بزعمه" ويختلق في سبيل هذا العقبات الواهمة والطُرق الوعرة، فإذا علمت أن ما عليك إلا البدأ وإتقان 20%، سيسهل عليك الأمر -بإذن الله- وهذه من الحيل النفسية التي يستعملها من كان له باع في عالم الانضباط والاستمرارية.

وقد رأينا في نموذج الشيخ الإبراهيمي الانضباط والاستمرارية بأبهى حُلة وأنقى صورة.
فالانضباط والاستمرارية هما جزءان حتميان في مسيرتك، ولن تتقدم قيد أُنملة إلا إن اتقنتهما وجعلتهما نمط حياة في رحلتك.

وقد قيل: أن من لم يتقدم يتقادم، والتقدم في أي مجال أو أي فن محمول على جناحين الانضباط والاستمرارية، لا يستقيم أحدهما إلا بالأخر.


هناك ثمن بسيط قد يدفعه أي أحد قرر أن يسلك هذا الطريق -ولا يوجد شيء بدون مقابل- ولهذا يكاد طريق النجاح أن يكون خالـيًا لأن الثمن الذي سوف يُدفع تُجاهه هو الوحدة.
ينبغي أن تدرك أنك لن تستقيم في طريق النجاح إلا إن اتقنت فن الوحدة، فالوحدة فن لايستطيع إدارتها إلا من لسعته سياط التجارب فيها.

أن تختار الوحدة لسلوك طريق النجـاح ولكـي تضع الحروف التـي سوف تضع عليها نقاط الفخر بتحقيق إنجازاتك، لفضل بكثير من عيش حياة بائسة وخالية من الإنجازات عنوانها الوحدة الإلزامية.

فاختر وحدتك بعناية.

"لَولا المَشَقَّةُ سادَ الناسُ كُلُّهُمُ
الجودُ يُفقِرُ وَالإِقدامُ قَتّالُ"


وأخيرًا: أُحب أن أختم بحديثٍ لرسول الله ﷺ، ومقولتين اقتبستهما من عنوان كتابين:


قال عليه الصلاة والسلام كما في مسند الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- :«إنْ قامَتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكم فَسيلةٌ، فإنِ استطاعَ أن لا تقومَ حتَّى يَغرسَها فليَغرِسْها».

المقولة:
أحرص على أن لا تموت إلا فــارغًا..
ولا تمتلئ بالفراغ، فإن الفراغ هو عدوك الاول.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.