-
القسم
مقالات توعية وإرشاد
-
عنوان المقال
بين المثقف والمؤثر الزائف: أزمة المرجعيات في المجتمع!
-
كتابة
فضل أحمد
-
مراجعة
علي الأزرق
بين المثقف والمؤثر الزائف: أزمة المرجعيات في المجتمع!
بين المثقف والمؤثر الزائف: أزمة المرجعيات في المجتمع!
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أعطى وكفى، وبصّر عباده بنور الوعي والهدى. الحمد لله الذي يرشدنا إلى أمرنا، وييسر لنا من عباده قادةً عقلاء يهدون بالحق وبه يعدلون، وجعل أمرنا شورى بيننا وصاحبَ الرأي سديداً فينا، أما بعد:
إنّ حالة الفوضى التي تعيشها مجتمعاتنا على الأصعدة كافة -سياسيًا اجتماعيًا ودينيًا- هي النتاج الطبيعي لسنوات من الجهل والتخلف اللذَين خلفتهما الحروب المستمرة. هذا التخبط وغياب المرجعية الحقيقية خلق فجوة من التيه، أو ما يمكن تسميته بـ "المجاعة القيادية". وفي ظل هذا الوعي الهش وبروز وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل أن يتصدر المشهد أشخاصٌ يبدون للعامة "بحجم الأسد، بينما ظلهم الحقيقي لا يتعدى ظل قط". قاد هذا الزيف إلى تنصيب مرجعيات محدودة القدرات، تفتقر لكفاءة القيادة؛ ونالت شرعيتها في القول والفعل مما تظهره للعلن، لا بمقدار ما تملكه من معرفة حقيقية.
هناك عدة معايير فاسدة يتبناها المجتمع لصناعة قدوة زائفة؛ والمفارقة العجيبة أنّ من هذه المعايير اختيار القدوات بناءً على بريق عابر؛ إما لبروزٍ في الشهادات الجامعية، أو لمؤثرين يقدمون محتوىً تافهًا يصطدم بقيم المجتمع، أو ممن امتلكوا قاعدة جماهيرية ومتابعين في مواقع التواصل مكنتهم من الظهور في كل المواقف والأحداث كمن يدلي بدلوه في كل أمر. وهذا الأمر -في أصله- لا خلاف فيه من حيث حرية الرأي والتعبير؛ فلكل واحد منا رؤيته ونظرته الخاصة في القضايا المجتمعية والأحداث اليومية.
لكن المشكلة تكمن في اتباع وتصديق كل ما يقوله هؤلاء المؤثرون، سواءً أثروا بإيجاب أو بسلب؛ فمعضلتهم أنهم يشاركون بآرائهم في أمور لا يفقهونها، والجماهير تؤمن بما يقولون وتخشى الانتقاد؛ لأن أصوات الحكماء لا جماهير لها ولا تُسمع، وإن امتلأت بالحكمة والمعرفة.
لسنا اليوم في زمن القول الراجح والمتزن، بل في زمن "الرويبضة" الذي حدثنا عنه المصطفى ﷺ حيث قال: «سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصَدَّق فيها الكاذب، ويُكَذَّب فيها الصادق، ويُؤْتَمَن فيها الخائن، ويُخَوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة»، قيل: وما الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه في أمر العامة».
ويمتد هذا الخلل حتى إلى أصحاب التخصصات المرموقة كالطب والهندسة، فبمجرد أن يملك الفرد تخصصًا مرموقً أو قاعدة جماهيرية، يُمنح تلقائيًا نفوذًا في القول وسلطة على عقول الناس. ومن واقع تجربة عشتها؛ أتذكر في إحدى المسابقات أنّ الفريق كاملًا كان من التخصصات الطبية، وعند بداية السباق كان من الضروري أن نختار قائدًا، وبلا شعور، توجهت بوصلة المشاركين جميعًا لاختيار الطالب الوحيد المتخصص في "الطب البشري"، بالرغم من وجود من هو أكفأ منه للقيادة في ذلك الوقت. إنّ بعض أصحاب هذه التخصصات التي تستهلك جهد الفرد ووقت حياته، يعيشون حبيسي الضغوطات والتراكمات الأكاديمية، مما يتسبب في غيابهم عن فقه المجتمع ومشاكله؛ وإن امتلكوا الشهادة والثقافة، إلا أنّ العيش في تفاصيل المجتمع وبين مشاكله يتطلب مهارات أخرى تؤثر في قبول القدوة وقدرته على الوقوف عند رغبات المجتمع، وكما يقول المثل الشعبي: "أهل مكة أعلم بشعابها".
سلطة المال وتغييب معايير العلم والقوة
تعد إحدى أفرع أو أقوى أوجه التمييز في معايير المجتمع لاختيار القدوات: "سطوة المال"، الذي يخلق من الإمعة رمزًا، ومن التابع قائدًا، ويصنع من العدم وجاهة. مَن امتلك المال امتلك القيادة في نظرهم، ويُسَلَّم له زمام الأمور وإن كان جاهلًا؛ فماله كفيل بتغطية جهله، والأصوات تصدح برأيه لأجل محفظته لا لأجل حكمته، وسرعان ما تنكشف عورته في أول منعطف خطير، أو عندما لا يجد في محفظته إلا دراهم معدودة.
ولنا في القرآن الكريم خير استشهاد؛ فقصة اختيار "طالوت" ملكًا لم تنل قبول المجتمع بدايةً لأنه لم يأتِ وفق معاييرهم المادية والسطحية (كالمال مثلًا)، بينما تجلت المعايير الإلهية الحقيقية في أنه -سبحانه- أتاه بسطة في العلم والقوة البدنية، وهذا وحده يكفي للقيادة. قال تعالى: ﴿وَقالَ لَهُم نَبِيُّهُم إِنَّ اللَّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طالوتَ مَلِكًا قالوا أَنّى يَكونُ لَهُ المُلكُ عَلَينا وَنَحنُ أَحَقُّ بِالمُلكِ مِنهُ وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصطَفاهُ عَلَيكُم وَزادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ وَالجِسمِ وَاللَّهُ يُؤتي مُلكَهُ مَن يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَليمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧].
الفرق بين الأكاديمي والمثقف الحكيم،
وهنا تبرز فجوة مجتمعية خطيرة في التمييز بين "الأكاديمي المعرفي" و"المثقف الحقيقي". يكمن الفرق بينهما في الجانب التطبيقي؛ فبعض الأكاديميين المعرفيين -وإن قرأوا مئات الكتب واطلعوا على الثقافات- تظل قراراتهم رهينة القوالب العلمية الجافة والنظريات الجاهزة دون مراعاة لمرونة الواقع، فالإلمام بالمعرفة الأكاديمية وحده لا يكفي لصناعة قائد ناجح.
أما المثقف، فهو الماهر في توظيف المعرفة، والجسور في استخدام الخبرة؛ إنه شخص ناهض لا يقبل الحلول المعلبة، بل يصنع الحل الذي يناسب ظروف الواقع وتغيراته.
ولو استشهدنا بسيرة صحابة رسول الله -وهي خير ما نستشهد به بعد كتاب الله وسنة نبيه- لنظرنا إلى قصة خالد بن الوليد -رضي الله عنه- في معركة اليرموك؛ تلك الخطة العسكرية الفذة التي غيرت موازين القوى فانتصرت القلة المسلمة أمام جيوش الروم. لم يكن هناك منطق حسابي يحسم المعركة للمسلمين، لكن عبقرية خالد الفذة أجهضت المنطق التقليدي، وآمنت بواقع المعركة تبعًا لإرادة الله، وبتلك الثلة القليلة التي أيدها المولى بالنصر.
الشورى وكسر صنم التقديس.. ومع هذا التميز الذي قد يحظى به القائد الفذ، فإنّ من الأخطاء الجسيمة التي يسير عليها المجتمع: فكرة التسليم المطلق للقدوة والمرجعية في كل أمر حتى في الآراء الشخصية؛ لإيمانهم الواهم بعصمة القائد من الخطأ، أو ظنًا منهم أنّ اختلاف الرأي يفسد القرار. لكن الحقيقة أننا عندما نُسَلِّم تسليمًا أعمى ولا نُشاور، نفقد رأي المجتمع الحقيقي، ونفقد صفة "الشورى" التي كانت من ركائز قرارات المصطفى ﷺ كما ذكرت الآية الكريمة: ﴿وَأَمرُهُم شورى بَينَهُم﴾ [الشورى: ٣٨].
وعلى سبيل الاستشهاد بواقع الصحابة في خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-؛ عندما صعد المنبر محدثًا الناس في موضوع المهور بعد أن تغالى فيها الناس واستصعب الحلال على الشباب، فقال: "ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله ﷺ أو سيق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال". عندها -وعلى غير العادة- علا صوت من بين الحضور لامرأة تشارك في الرأي وترد بقوة قائلة: "يا أمير المؤمنين، أتانا الله بالرخصة وتبخل علينا؟ قال الله تعالى: ﴿وَإِن أَرَدتُمُ استِبدالَ زَوجٍ مَكانَ زَوجٍ وَآتَيتُم إِحداهُنَّ قِنطارًا فَلا تَأخُذوا مِنهُ شَيئًا أَتَأخُذونَهُ بُهتانًا وَإِثمًا مُبينًا﴾ [النساء: ٢٠]، فكيف تحدد المهور والله أطلقها؟" ورغم شدة عمر وهيبته، إلا أنه نزل عند الحق وقال كلمته التاريخية: "أصابت امرأة وأخطأ عمر". وفي هذا درس عظيم بأنّ رأي القائد والقدوة لا يلغي أصوات ورأي العامة.
ولا ننسى أنّ القيادة والمرجعية البشرية لا تدوم، وفي مرحلة ما قد يخطئ القائد وتتغير البوصلة، ولا ضير حينها من أن نختار مرجعية أخرى وقائدًا آخر. ففي حكم عمر -رضي الله عنه-، عزل خالد بن الوليد من قيادة الجيش، وهو الذي ما هُزم في معركة قط. ولم يكن عزل عمر لخالد ضعفًا في خالد، بل خوفًا من أن يُفتن الناس بعبقرية خالد وينسبوا النصر إليه لا إلى الله. وهنا منع عمر صنم التقديس الأعمى تجاه القادة، ولنا أن نقيس على ذلك قدواتنا اليوم بأن ننتقدها بموضوعية إن وجدنا تقصيرًا أو خطأً.
مَن الأحق بالقيادة؟!
وإذا انكسر صنم التقديس الأعمى، وتجلى مبدأ الشورى في إدارة الأمة، يبرز السؤال الجوهري: مَن الأحق إذن بقيادة المجتمع؟
فالإجابة هي: المثقف الحكيم القريب من حياة المجتمع؛ لأن القيادة حكمة وليست مجرد مخزون معلوماتي. المثقف هو الأجدر بإدارة الأزمات، والقدرة على فرز الطاقات وتوزيع المهام، ووضع كل ذي كفاءة في مكانه المناسب، وليس بالضرورة أن يقوم هو بكل الأدوار.
نحن هنا لا نهمش دور أصحاب المعرفة، بل ننزل كل ذي منزلة منزلتها؛ فالطبيب قدوة في مشفاه، والباحث قدوة في معمله، دون أن نُسَلِّطهم على سدة الحكمة العامة وهم لا يجيدون إلا فرعًا معرفيًا واحدًا.
ولنا في الواقع المعاصر خير شاهد؛ فكم من مرة أُعطي منصب اقتصادي لطبيب، وأُعطي الجانب العسكري لرجل اقتصاد، وغير ذلك الكثير!
وفي الختام، إننا لا نبحث عن قدوة كاملة في كل شيء، فهذا محال، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة؛ فرغم أنه المنارة المكتملة، إلا أنه أرسى مبدأ التخصص؛ فسلّم راية الحرب لخالد لكفاءته العسكرية، وولى عمر لشدته في الحق، واستثمر في حكمة ولين أبي بكر، وأخذ برأي سلمان الفارسي يوم الخندق في حضرة كبار الصحابة، وقال للصحابة في قضية تأبير النخيل أنتم أعلم بأمور دنياكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.